محمد هادي معرفة

570

التمهيد في علوم القرآن

وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ « 1 » فانظر إلى عجائب هذه الآية ولطافة معناها في تقديم بعضها على بعض ، فلمّا كانت الآية مسوقة من أجل تزيين المشتهيات في أفئدة بني آدم واستيلائها عليها قدّم ما هو الأدخل في ذلك ، فصدّرها بذكر النساء ، تنبيها على أن لا مشتهى يغلب على العقول مثلهنّ لما يغلب على القلوب من توقان النفوس إليهنّ وعن هذا قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ما رأيت أغلب لذوي العقول من النساء . وعن إبليس : ما نصبت فخا أثبت في نفسي من فخ أنصبه بامرأة وفي هذا دلالة على استيلائهنّ على العقول ، لأنّهن أدخل في المشتهيات . ثم عقّبه بذكر البنين لما كانوا ممّا يلي النساء في الرقّة والرحمة والشفقة والحنوّ ، مع المشاكلة في الخلقة والصورة . ثم أردف ذلك بالأموال الذهبية والفضّية ، لما يحصل فيها من اللذّة والسرور والاطمئنان وانشراح الصدور بها والاستطالة والقوّة ، كما يحصل بالأبناء ، لكن الأولاد أدخل فرحا وأشدّ محبّة ، وأكثر بهم رحمة ورأفة . وقوله : الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مبالغة في وصفها ، كما قالوا : إبل مؤبّلة ، وظلف ظالف ، أي شديد . ثم عقّب ذلك بذكر الخيل ، لما يحصل بها من الجمال والهيئة الحسنة والقوّة والاستطالة على الأعداء بالقهر . وأردفها بذكر الأنعام لما يحصل بها من المنافع ، وهي دون منافع الخيل . وأتبعها بذكر الحرث ، وختم هذه المنافع بذكره ، لأنّ كل واحد من هذه الأشياء على مرتبة في السبق على قدر حالها في الجمال والمنفعة ، وقد أشار اللّه تعالى إلى ترتيبها كما سردها ، تنبيها على أن ما تقدّم منها فهو أحقّ من غيره ،

--> ( 1 ) آل عمران : 14 .